العين عضو عجيب، ومركز لأهمّ حاسّة من حواسّ الإنسان الخمس؛ بها تدرك المرئيّات بأحجامها وأشكالها وألوانها.

والعين هي الباصرة، وتطلق على الحدقة، أو على مجموع الجفن، كما تطلق أيضاً على حاسّة البصر، نقول: "هو قويّ العين" أي حاسّة بصره قويّة، وتسمّى العين أو ما دار بها محجر بفتح الميم أو كسرها، وقد تطلق عليها كلمة مقلة، وهي شحمة العين أو السواد والبياض منها، فتتكون للعين ذاتها. وإنسان العين ما يُرى في سوادها أو سوادِها نفسه، واللَّحْظ باطن العين، أو النظر بمؤخرّتها، ويتبع المحجرَ الجفن، وهو غطاء من أعلى إلى أسفل، ويُسمّى رَمْشاً، أمّا الرَّمش فهو تَفتّل في أصول شعر الجفن، وهو غير مُستحبّ، والهُدْب أو الهُدُب فهو شعر أشفار العين، ويكون جماله في وَطفه: أي طول أشفاره وتمامها، والحاجب: العظم فوق العين بلحمه وشعره، وقد ذمّ فيه كثافة الشعر واتصال الحاجبين، وهناك معانٍ كثيرةٌ على المجاز وليس على أصل الوضع، ولا حاجة لتتبعها هنا.

العين فيها أو منها أو ممّا يتبعها آياتٌ من السحر والجمال تصوغها أجزاؤها أو ألوانها أو صفاؤها وبريقها أو سعتها أو نظراتها أو دموعها أو بسمتها.

إنّها أكثر الأعضاء تأثراً وتأثيراً، فهي تتأثّر بما تقرؤه في الآخرين، وتؤثّر فيهم حين تقرؤها عيونهم، تتأثر فتخلف في ذات صاحبها الحزن أو السرور، وتؤثر، فتهيج ما كان دفيناً في الآخرين، بل لها قدرةٌ قويّة على اختراقهم لتصل إلى مكنونات نفوسهم؛ إضافة إلى أنّها هي نفسُها تكشف عمّا في نفس صاحبها من المعاني والدّلالات الكثيرة،

إنّها تملِك قدرة عجيبة على التعبير عن المشاعر والمعاني المتضادّة: الحبِّ والبغض، الحنان والقسوة، الألفة والجفوة، الحزن والفرح، الغضب والرضا، القبول والرفض، السعادة والتعاسة، الحسد والقناعة، الصدق والرياء. إنها تبتسم: "عيناك حين تبسمان... تورق الكروم"([1]) وتضحكان:

تضحك عيناك وإن جدّتا

لا سحر في عينين لا تضحكان([2])

وهي تحزن، فتستنزفها الدمعة حتى الدنف والعمى، قال تعالى: )وتولّى عنهم وقال يا أسفي على يوسف وابيضّت عيناه من الحزن وهو كظيم(([3]). وهي قادرة على بعث الأمل والحياة، وقادرة على بَذر الموت والردى، وهي المخلوق الضعيف، وقد خصّوها بلغة هي لغة العيون، إنّها لغة ليست ككلّ اللّغات، لغة يقرأ بريق سطورها العشّاق والمحبّون وأصحاب القلوب المتيّمة، ومن أوتي حظاً من رهافة الحسّ، فتميت أو تحيي، لكنّ لغتها أحياناً تكون فاضحة إذا ما وقعت عليها عيون الكاشحين، حتّى عيون هؤلاء لها لغتها المؤذية، فتصيب الإنسان بالعين، فإذا أمِنَ شرّها بات قرير العين، فكنّوا بقرّة العين عن الفرح والحبور، قال تعالى: )...هل أدلّكم على من يكفله فرَجَعْناك إلى أمِّكَ كي تَقَرَّ عينها(([4]). أي تفرح وتسرّ بلقائك، وقد يكنّى بها عن الرياء، فيقال: "هو عبد عين أو صديق عين". يخدمك أو يصادقك رياء، أنشد الجاحظ([5]):

ومولى كعبد العين أمّا لقاؤه

فيُرضى، وأمّا غيبه فظنون

وقد يكنّى بها عن التجسّس، فيقال: "فلان عين على فلان". أي ناظر عليه.

والعين من أكثر الأعضاء تعرّضاً للهجوم، فيدعى عليها بالقلع والعمى والفقء، وقد يكون الفقء معنويّاً، فيقال: "فقأ عينه، أي صكّه وأغلظ له، ويكنّى بها عن الغالي المحبّب إلى النفس، فيقال: "أنت عيني"، كما يكنّى بها عن الطاعة والموافقة، فيقال: "على عيني" وهي موطن الرعاية والصون، قال تعالى: )...وَلِتُصْنعَ على عيني(([6]). أي لتربّى بمراقبتي أو بمرأى منّي وحفظي، وعند امرئ القيس في فرسه: "وبات بعيني قائماً غير مرسل". وهي موطن الرؤية اليقينيّة، قال تعالى: )ثُمَّ لترونَّها عين اليقين(([7]). أي مشاهدة العين، كما هي موطن التبصّر والهداية، قال تعالى: )ألم نجعل له عينين(([8]). أي عينان يتبصّر بهما طريقي الخير والشرّ، وقد تكون سبيلاً إلى المحرّمات، فتختَلس النظر إليها، قال تعالى: )ولا تمدّن عينيك إلى ما متّعنا به أزواجاً منهم...(([9]). كما يكنّى بها عن السخرية: "العين تطرقك ما أفهمك".

نلاحظ من هذا التقديم كثرةَ الدلالات المجازيّة في استخدام العين، فماذا يعني المجاز، وماذا تعني كثرة الدلالات؟ إنّ كثرة الدلالات تكشف عن اهتمام واضح بالعين، وعن مكانة رفيعة لها عند الناس، وعن إعجاب كبير بها، فإذا كان هذا شأنها بعامة، فما هو شأنها عند الشعراء؟ وهم الأقدر على استجلائها وكشفها ورصد معانيها، وما تبوح به، وما يأتلق فيها من سحر، أوجعهم، أو أسعدهم: أوجعهم فأحرق مهجهم، فإذا هم صرعى فتنته، أسعدهم ففرش الأمل في درب حياتهم، فإذا هم ينعمون بالسعادة تغمر

قلوبهم. لذلك وصفوا جمال العين، وسحر نظرتها، وفتور طرفها، وما تهمي به من دموع تفعل فعلها في النفس، فتكوي القلوب، أو تذيبها لهفة وشوقاً، وسأقف على ذلك مُصعّداً مع المعنى والصورة.

1ً ـ وصف العين:

1 ـ الاتساع والبريق والصفاء:

راح الشعراء يتلمّسون معاني الجمال الآسرة في العين متتبّعين مظاهرها، فأعجبوا بالعين الواسعة الصافية التي يشعّ بريقها، الواسعة في غير جحوظ، والصافية وقد نفت عنها أيّ قذىً يسيء إلى صفائها، أو يعكّره، وقد تلألأ ضياؤها، قال طرفة في وصف عيني ناقته([10]):

وعينان كالماويّتين استكنّتا

بكهفَيْ حَجاجي صخرة قلتِ موردِ([11])

طحوران عوّار القذى فتراهما

كمكحولتَيْ مذعورة أمّ فرْقد([12])

إنّ عينيها كمرآتين في الصفاء، وهما في غؤور يعلوهما حاجبان صلبان، وقد شبّه صفاءهما بصفاء ماءٍ في نَقرةٍ، وقد نفتا عنهما القذى في شدّة اتّساع، إنّهما كعيني بقرةٍ وحشيّةٍ لها ولد، وقد أفزعها صائد، وبهذا لم يَخْفَ على الشاعر ما ترجمته عيناها من ردّ فعلٍ غريزيٍّ ـ إن صحّ التعبير ـ فيما تنازعهما من الخوف والحنوّ لينعكس ذلك سعة في عينيها مع شدّة بريق، وفي مثل هذه الحال تكون العين أكمل ما تكون عليه من اتّساع وبريقٍ يضفيان عليها سحراً وجمالاً، وقد نفت عنها أيّ قذىً، فسلمت من الحُزن والرَّمدَ، قال جرير في حديثه عن أ طلال الحبيبة([13]):

وقد عهدنا به حُوْراً مُنَعّمة

لم تلق أعينها حُزْناً ولا رَمَدا

عينٌ صفت، فلا احمرار حزن فيها، ولا رمد يذهب بريقها. هذه العين كلّما اتّسعت زادها الاتساع جمالاً لذلك نفروا من العين الحوصاء والخوصاء: الضيّقة في غؤور.

هذه العين الواسعة أعجب بها الشّعراء، فسمَّوها عيناً نجلاء، وقد اتّسعت في حسن وقلّما سلموا من طعناتها، تلك الطعنات التي أصمّت قلوبهم، قال أبو دريد([14]):

ليس السّليم سليمَ أفعى حَرَّةٍ

لكنْ سليمَ المقلة النجلاء([15])

وكيف للمرء أن يسلم، وهي العين النّجلاء أشدّ فتكاً من أفعى حَرَّةٍ، إنّها تقتل حين ترمي، قال عمر ابن أبي ربيعة([16]):

وأقبلنَ يمشينَ الهوينا عشيّة

يُقتّلنَ من يرمين بالحدق النُّجل

2 ـ اللون:

إذا كان اتساع العين وصفاؤها وبريقها، وقد سلمت من أيّ قذىً أو مرض، هي من معاني الجمال التي استهوت الشعراء، فإنّ في لون العين آياتٍ من السحر تتجاوز كلّ وصف، وقد تباينت أذواقهم في ذلك.

ـ العين الدعجاء:

الدَّعَج والدُّعْجَة السواد، وقد عرّف الثعالبيّ في فقه اللغة العينَ الدعجاء بأنّها شديدة السواد مع سعة، وقد أورد قولَ ذو الرُّمَّة([17]):

حتّى بدت أعناق صبح أبلجا

تَسُور في إعجاز ليل أدعجا

فالبلج لبياض الصبح، والدعج لسواد الليل، وهذا لا يتّفق مع ما أورده الزمخشريّ في أساسه حين عرّف العين الدعجاء بأنّها شديدة السواد شديدة البياض. إنّه الدّعج سيف ينازل العشّاق، قال السلطان النبهانيّ([18]):

لقد سللتِ سيفَ جفنٍ أدعج

على هُمام أروع مُتوَّج

لكنْ على الرغم من أنّه سيف يتمنّى الشعراء نظرة إليه، يقول أيضاً:

راية يا ذات الخِبا والهودج

وربّة الطوق وذات الدُّمْلُج([19])

والخدّ والطرف الكحيل الأدعج

هل نظرةٌ لعاشقِ مُهَيَّج

هذه العين هام الشّعراء بفتنتها، فعند صاحبتها يكون الفرج إن هي أذعنت، أو الموت إن هي دلت وغَنجت، قال الشّاعر:

أمليحة الدَّعَج!

ألديك من فرج؟

أم أنتِ قاتلتي

بالدّلّ والغَنَج([20])

ـ العين الكحلاء:

لم يكن السّواد الفاحم في سواد العين قد سحر الشعراء فحسب، بل ما كان منه أيضاً في جفنها، فسّموها عيناً كحلاء، كحلاء خلقة من غير كحلٍ، قال التّلّعفريّ([21]):

حميتَ شقيق الخدّ بالمقلة الكحلا

وثقفتَ رُمح القدّ بالطّعنة النّجْلا

لقد حمتْ حمرة خدّها بعينها الكحلاء، والقدّ منها مثقف يطعن الطّعنة النجلاء تسحر بجفنها الأكحل الأوطف حيث طول شعر أشفار العين وتمامها، قال بدويّ الجبل([22]):

أطلّ خلف الجفون الوطف موطنه

بعد الفراق فحيّاه وفدّاه

ـ العين الحوراء:

ذكر الثعالبيّ في فقه اللّغة أنّ الحَوَر اتساع السّواد في العين كما في عين الظباء:

وكأنّما دون النّساء أعارها

عينيه أحورُ من جآذرَ جاسم([23])

أمّا الزمخشري: فقال: الحور شدّة السّواد وشدّة البياض في العين، وما أورده الثعالبيّ يتّفق مع عيون الظباء التي يتسع فيها السّواد حتى لا يبقى للبياض في العين إلا القسمُ اليسير، وأضاف الثعالبيّ أنّ البرح في العين هو شدّة السّواد وشدّة البياض([24])، ومهما يكن فالأمر لا يخرج عن سواد العين الذي فتن به الشّعراء، إذ غدوا صرعى بسحره وما يبعثون، قال جرير([25]):

إنّ العيون التي في طرفها حورٌ

قتلننا ثمّ لم يُحيين قتلانا

_ العين الشهلاء:

قال الثّعالبيّ في فقه اللّغة: العين الشَّهلاء هي التي خالط سوادَها حمرة، أمّا الزمخشريّ في أساسه، فقال: هي العين التي خالط سوادَها زرقة، وعلى أيٍّ منهما، فنحن نقول، شَهل اللونان يشهَلان شَهَلاً اختلط أحدهما بالآخر، أمّا لسان العرب فقد أورد المعنيين: الشُّهلة في العين أن يشوب سوادَها زرقة، أنشد الفرّاء بطريق الذّمّ الذي يراد به المدح([26]):

ولا عيبَ فيها غيرَ شُهْلةِ عينها

عتاق الطير شُهْلٌ عيونها

إنه÷ يمدح فيها شُهْلة عينها، ويشبّهها بشهلة عيون عتاق الطّير التي خالط سوادَها الزّرق. وقال أيضاً: والشُّهلة في العين أن يكون سوادها بين الحمرة والسّواد، وقيل هي أن تُشرب الحدقة حمرة ليست كالشُّهلة في بياض العين، ولكنّها قلة سواد الحدقة حتّى كأنّ سوادها يضرب إلى الحمرة، قال ذو الرُّمَّة:

كأنّي أشهل العينين بازٍ

على علياء شَبَّهَ فاستحالا

ـ العين الزّرقاء:

إذا كان التّغنّي بالعين السّوداء كثر في شعرنا القديم فإنّه ـ مع خروج العرب من صحرائهم ـ وهنا اللّون الأسود مرتبطٌ بالبيئة، وباحتكاكهم بالأعاجم وبالمناطق المعتدلة وبالحضارة والساحل، بدأت الألوان الفاتحة في العين تحتلُّ شعرهم حيث أعجبوا بتلك الألوان، فلم تعد العين السّوداء وحدها ـ وإن بقيت فتنة النّاظرين ـ تتربّع عرش قلوب الشّعراء، بل راحت تستهويهم العيون الزّرق، فأخذت بمجامع قلوبهم، قال عمر بن أبي ربيعة([27]):

سحرتني الزّرقاء من مارون

إنّما السّحر عند زرق العيون

فإذا كانت سحراً عند عمر فهي سماواتٌ لا حدود لفضاء زرقتها عند البدويّ([28]):

في مقلتيك سماواتٌ يهدهدها

من أشقر النور أصفاه وأحلاه

ـ العين الخضراء:

إنّها الربيع الأخضر، تغري، فيتعلّق الناس بفتنتها، ويروح الشعراء يتأمّلونها، يفتّقون هذا اللّون، فمرّة عيونٌ خضر، يقول نزار([29]):

قالت: ألا تكتب في مِحْجَري

انهض لأقلامك.. لا تعتذر

مَنْ يعص قلب امرأة.. يكفر

يَلذُّ لي.. يلذّ لي.. أن أرى

خضرة عينيَّ.. على دفتري

يا عينُ.. يا خضراء.. يا واحة

خضراءَ ترتاح على المرمر

أفدي اندفاق السّيل في مقلةٍ

خيّرةٍ كالموسم الخيّر.

ومرّة زيتيّة، أو فستقيّة، وكلّها شِعاب ترتدّ إلى أصلها الأخضر، يقول نزار:

زيتيّة العينين.. لا تغلقي

يسلم هذا الشّفق الفستقي

رحلتنا في نصف فيروزة

أغرقت الدنيا ولم تغرق

ومرةً عسليّة، والعَسَلُ اضطراب في لون العين، يقول نزار:

كنت أسافر يوماً

في الأحداق الخضر

وفي الأحداق العسليّة

هذه العين على اختلاف ألوانها، وما حباها الله من سعة وصفاء وبريق لا يكون تمام جمالها إلا بحاجبٍ خطٍّ يكلّلها، يحنو عليها في رفق وخِفَّةٍ، لقد أعجب الشُّعراء بزَجَج الحاجب وبَلجه([30]) وذمّوا القَرَن الزَّبَب فيه، قال السّلطان النّبهانيّ([31]):

راية يا ذات الخِبا والهودج

وربّة الطوق وذات الدُّمْلُجِ

والدّلّ والصَّلْتِ الجبين الأبلج

والحاجبِ المُستحسَن المُزجَّجِ

وقال عمر في تغزُّله بذات العيون الزّرق:

وجبينٌ وحاجبٌ لم يصبْه

نَتفُ خطٍّ كأنّه خطُّ نون

إنه منتوف خلقة، خطٌّ كحدِّ السَّيف.

2ً ـ النّظرة بين الجمال والبوح:

بعيداً عن الشَّزَر والشَّنْف([32]) فإن أنواع النّظرة من رَمْقٍ ولحْظٍ ولمحٍ وحَدْجٍ ورشق ورنوٍّ([33]) ترتدُّ إلى نظرتين أساسيّتين هما: النّظرة القويّة والنّظرة الضّعيفة ولكلتا النّظرتين سحرُهما وجمالهما، ولكلتيهما بوحٌ يقرؤه المحبّون العاشقون، ولكلتيهما فعل في النفس أيّ فعلٍ.

1 ـ النّظرة القويّة: رأى فيها الشعراء سهاماً تنفُذُ في القلب، تجرح، وتدمي، وتفتك، فإذا رامت قلباً طعنته الطّعنة النّجلاء الّتي تُردي وتميت. هكذا رآها ابن الصّائغ([34]):

لمثلي من لواحظها سهامٌ

لها في القلب فتك أيُّ فتكِ

إذا رامتْ تشكُّ به فؤاداً

يموت المستهام بغير شكِّ

2 ـ النظرة الضعيفة: كذلك أعجبوا بالنظرة الضّعيفة، قال خالد الكاتب([35]):

لها من ظباء الرّمل عينٌ مريضة

ومن ناضر الريحان خضرة حاجبِ

وأيُّ فعلٍ تفعله هذه العين، وسأقف عليها حين حديثي عن فتور الطّرف.

ـ جمال النّظرة: رأى الشّعراء في نظرة عين الظبي جمالاً أخّاذاً، فشبّهوا نظرة الحبيبة بها، قال النّابغة([36]):

نظرتْ بمقلة شادن مُتربّب

أحوى أحمّ المقلتين مُقلَّدِ([37])

إنّها نظرة جميلة تشبه نظرة عين ظبي أحوى الشّفتين، أسود المقاتين، مُقلِّد الجيْد.

ليست نظرةَ ظبي فحسب بل نظرة ظبي غرير خائف مفرد بين شجر السِّدر الملتفّ، وهذا أدعى لجمال نظرته، قال قيس بن الخطيم:

تروح من الحسناء أم أنت مُغتدي

وكيف انطلاق عاشق لم يُزوَّدِ

تراءت لنا يوم الرّحيل بمقلتَي

غرير بملتفٍّ من السدر مُفرَدِ

كما شبهوها بنظرة ولد بقرة وحشية يرنو إلى أمِّه في أمْن، قال عمر بن أبي ربيعة([38]):

وترنو بعينيها إليَّ كما رنا

إلى ظبية وَسْطَ الخميلة جُؤْذرُ([39])

ولا يخفى ما في هذه النظرة من جمال؛ إنّها تشبه نظرة ولد ظبي وهو يرنو إلى أمّه؛ وما توحيه هذه النَظرة من معاني الطمأنينة والأمن، وقد سكنت وقرّت في هدوء.

لقد ذهب الشُّعراء أبعد من ذلك في رسم النّظرة الجميلة، فامرئ القيس رآها في نظرة بقرة وحشيّة إلى ولدها([40]):

تصدُّ وتبدي عن أسيلٍ وتتّقي

بناظرةٍ من وحش وَجرةَ مطفل

إنّها حسنة النظرة تبعثها عينان جميلتان تشبهان عيون الظباء، وقد جعل الظباء مطفلة لأنّ نظرتها إلى أولادها يخالطها الحبّ والعطف، وفي مثل هذا يكون النظر على خير ما يكون عليه. إنّ حبيبة الشاعر تعرض فيبدو خدُّها الأسيل، وتتّقي بعين تفيض حباً كما تفيض نظرة ظبية إلى ولدها.

ـ بوح النظرة:

أعود إلى لغة العيون، فللعيون لغتها التي ـ كما قلت ـ يجيد قراءتها العاشقون، إنّها تقول، فيفهمون ما تقول، قال عمر بن أبي ربيعة([41]):

أشارت بطرف العين خشية أهلها

إشارة محزون ولم تتكلّم

فأيقنت أنّ الطّرف قد قال مرحباً

وأهلاً وسهلاً بالحبيب المتيّم

وحين تقول تبوح، فيقرأ العاشقون ما تبوح به.

* إنها تبوح بالحبّ، تسفر عنه في جلاء، يقول الشاب الظريف([42]):

يا راقد الطرف ما للطرف إغفاء

حدّث بذاك فما في الحبّ إخفاء

* إنها لا تبوح بالحبّ فقط، بل بالهوى المضطرم في النفس، فهي لا تضيق بمعانيه، يقول البدويّ في عينَي حبيبته([43]):

قد باح جفناك بسرّ الدجى

جفناك من سرّ الدجى مترعانْ

تنطِق عيناك ولم تنطقي

وقد تطيلان وقد توجزان

ولم تضيقا بمعاني الهوى

ألا تلومان ألا تعتبان

* العين لا تضيق بمعاني الهوى فحسب، بل تزيح الستار عن الشوق الذي يضجّ في النفس، فتجلو أقصى ما فيها من معانيه، يقول عمر([44]):

فعرفن الشوق في مقلتيها

وَحَباب الشوق يُبْديه النَّظرْ

* إنّ النظرة تبوح بما هو أبعد من ذلك، إذ تكشف عن حاجة في النفس لا يستطيع اللسان أن يبوح بها، أو قد يتعثّر دون بلوغ ما ترومه النفس، يقول النابغة:

نظرت إليك بحاجة لم تقضها

نظر السقيم إلى وجوه العُوَّدِ

* في كلّ هذا ينعم الشعراء على الرغم ممّا يفعله بوح النظرة فيهم، وما يخلّفه من مواجع تطرب لها نفوسهم، لكنْ أن تكون العيون في نظراتها حيارى، فالشعراء حتماً بخمرها سكارى، قال محمّد حمدان([45]):

على أطياف عينيك الحيارى

أنا والشوق والنجوى سهارى

ونورد بحرها عشقاً وأحلى

معاني العشق أن نرد البحارا

* إلا أنّهم ضاقوا ذرعاً حين تبوح العين بالحسد، فيحنون على الحبيب، يحوطونه بحبّهم وحذرهم عليه من تلك العيون التي طالما سخطوا عليها، يقول الشاب الظريف([46]):

لي من هواكَ بعيده وقريبه

ولك الجمال بديعه وغريبه

يا من أعيذ جماله بجلاله

حذراً عليه من العيون تُصيبه

3 ـ فتور الطرف:

أيُّ نظرة أعمق في النفس، وأنفذ في القلب، واقدر على بعث المشاعر من رقادها من تلك النظرة؟ إنّ الأصل في معنى فتَر سكن عن حدّته، ولان بعد شدّته، فالفتور ينطوي على الضعف والتراخي والانكسار. قال تعالى: )يُسبِّحون الليل والنهار لا يَفْتُرون(([47]). أي لا يسكنون عن نشاطهم في التسبيح والعبادة، وقال أيضاً: "لا يُفَتَّر عنهم وهم فيه مُبْلِسون"([48]). أي لا يُخفّف عنهم وهم متحسِّرون واجمون يائسون من كلّ خير. وعلى المجاز امرأة فتارة الطرف، وفتّرت من بصرها، قال ذو الرُّمَّة([49]):

تبسَّمن عن غرِّ الأقاحيِّ في الثَّرى

وفتَّرْن من أبصارَ مضروجةٍ نُجلِ

فالفتور انكسارٌ في حدّة العين، وضعف في حركتها، وهو على ما فيه من ضعف، شأنه شأن العين، قويٌّ يصرع بأشدّ ما يكون عليه الصرع.

إذا كانت سهام العيون ـ حيث الحبيبة تسدّد السهم وترمي ـ تقتل، وتصرع، فإنّ النظرة الفاترة تحفِر في الفؤاد جراحاتٍ عميقة لأنّها من السهام، تستبيح ذات المحبِّ، فتملك عليه سلطان قلبه لينقاد وقد هوى أسيرها ذلك لما تبديه من شوق ولهفة وتضرُّع وتوسُّل، ولما تكشف عن هوىً جامحٍ في النفس يبوح بحاجاتٍ لا يستطيع اللسان حيالها بوحاً، بل ربّما يقف عاجزاً دون ذلك، ولعلّ أحسن ما يكون عليه فتور الطّرف حين يكون خلقة، فإنّه ـ في هذه الحال، وحين تقع عليه العين ـ تنخلع له القلوب، ولهذا فتن الشعراء به، وأداروا أشعارهم على معانيه، فشبّهوه بنظرة المريض يستجلي وجوه عوّده وما تنطوي عليه هذه النظرة من معاني التعلّق والتوسّل اللذين يكشفان عن حاجة لم تقضها النّفس، حاجةٍ لا يبوح بها اللسان، فتنهض تلك النظرة لتعبّر عنها في جلاء، يقرؤها الشاعر فيستجيب دون تردّد، قال النّابغة:

نظرت إليك بحاجة لم تقضها

نظر السقيم إلى وجوه العوّد

إنّ النابغة ـ بهذا التشبيه ـ استطاع أن يرسم لنا شكل وهيئة تلك النظرة، فنحن معه نتخيّلها، ونقرؤها ضعيفة كليلة تفيض بمعان تفعل في النّفس، فتغمرها بمشاعر من السحر زكية.

لكنّ أبا نواس يحدّد لنا المساحة الزمنيّة لتلك النظرة التي تبدأ، فتطيل في كرّ الطرف، وما أدراك ما في هذا الكرّ؟! والنظر ينسحب رويداً رويداً بطيئاً ضعيفاً، فيخلّف في القلب أسراراً لا يستطيع اللسان ترجمتها، يقول([50]):

ضعيفة كرّ الطرف تحسب أنها

قريبة عهد بالإفاقة من سقم

إنّها ليست نظرة سقيم، بل من أفاق قريباً من السقم، وهو يعيش فترة نقاهة، لكنّها عند عليّ بن دريد نظرة سقيم في سورة الإغفاء. إنّها النظرة السكرى أو التي يترنّح فيها السكر، نظرة واهية واهنة، لكنّها تملك على القلب أشرعته، يقول([51]):

نظرت ولا وسن يخالط عينها

نظر المريض بسورة الإغفاء

إنّها نظرة فاترة لا عن نعاس، ومثل تلك النظرة أسرع نفاذاً لتجرح في الصميم، إنّها كالسيف كلّما لأن متنه كان أسرع قطعاً، وأنفذ جرحاً، يقول ابن المعتز([52]):

وتجرح أحشائي بعين مريضة

كما لان متن السيف والحدُّ قاطع

فتور الطرف يجرح، وهو أنفذ من السيف القاطع، لكنّه عند البحتريّ مسكر يفعل فعل الخمرة في الرؤوس، يقول في وصفه الخمرة([53]):

في القهوة أشكال من الساقي وألوان

وسكرٌ مثل ما أسكر طرف منه وسنان

هي تجرح وتدمي وتسكر، لكنّها تقتل أيضاً، فهل سمعتم بمقتول أحب قاتله؟!

قال ابن السّاعاتي([54]):

لهفي على غصن النقا المتمايل

يهتز معتدلاً وليس بعادل([55])

لا يستفيق منازلاً عشّاقه

بفتور لحظ كالقضاء النازل

يا قلب عاشقه وسهم جفونه

من ألزم المقتول حبّ القاتل؟

هذا هو فعل النظرة الفاترة، فكيف حين تكون غمزاً! إنّها لا شكّ تفسد على المرء عبادته، وتثنيه عن طوافه كما عند عمر ابن أبي ربيعة([56]):

قالت لها أختها تعاتبها

لنفسدنّ الطواف في عمر

قومي تصدِّي لـه ليُبصرَنا

ثمّ اغمزيه يا أخت في خفر.

هل أدركنا المدى الذي راح معه الشعراء يجنُّون بفتور الطّرف؟! لقد نوّعوا في تشبيهاتهم فكانت نظرة مريض أو من أفاق قريباً من المرض، أو من كان في سورة الإغفاء. لقد رأوا فيه سيوفاً وسهاماً تجرح الأحشاء، أو خمرة تبعث على السكر، أو نَبْلاً على السكر، أو نَبْلاً يقتل، فيُلزم المقتول حُبَّ قاتله. أنّها لغة الطرف يجيد قراءتها أهل العشق والهوى.

4ً ـ بكاء العين:

إنّ بكاء العين ـ لا شكّ ـ حاجة نفسيّة، حيث دمعها طريقها إلى التفريج عن النفس ممّا يضطرم فيها من مشاعر ومواجع، لكنّه أحياناً يكون سلاحاً يُروَّض به الحبيب، أو يُذلّل، أو يُستمال، وأحياناً يكون فاضحاً أمر صاحبه شأنه شأن النظرة، يفضح ما تكتمه النفس من الهوى. إنّ الدموع التي فاضت بها عيون الشعراء وقفوا عند دوافعها وأسبابها، كذلك وصفوها في فيض من الصور التي كشفت لنا عمّا تنطوي عليه من حرقة؛ فقدّموها لنا حين أجهشوا، وحين اغرورقت، وترقرقت عيونهم بها، وحين همعت([57])، وما رافق ذلك من نحيب ونشيج وإعوال، وصفوها في غزارتها وتتاليها، وقد انفطرت لها قلوبهم.

1 ـ أسباب البكاء:

ذكر الشعراء المواقف التي تبعث على البكاء، فقد رأوا في الذكرى سبباً له، حيث طلل الحبيب، وما يثيره في النفس إذ تبعث الحياة من جديد فيه لتعيده حياً عامراً، كلّ ذلك من خلال حدقة الخيال، حيث الماضي وقد عادت أيّامه الخوالي، يذكّرهم بذلك نؤيٌ ما زالت آثاره تلوح، وأثفيّة، وما بين النؤي والأثفيّة كانت الحبيبة تخطر بقدّها الممشوق، وعين الشاعر ترقبها، وكم حاول الوصول إليها، لكنّ عيون القوم تحاصره، وحين يأمنها، يختلس الخطو إليها، وقد طابت نفسه بقربه منها، لكنّ الواقع يهزّه، فيصحو ليرى المكان مقفراً، ولم يبق إلا رسم دارس مستعجم، يقول امرؤ القيس([58]):

قفا نبك من ذكرى حبيبٍ ومنزل

بسقط اللّوى بين الدخول فحومل([59])

لعلّ في البكاء شفاءَ النّفس، لكنْ لا رجاء عند رسم دارس من معوّل، يقول أيضاً:([60])

وإنّ شفائي عبرةٌ مهراقةٌ

فهل عند رسم دارس من معوّل([61])

إنّ الذكرى التي أثارتها أطلال الحبيبة بعثت فيه حزناً سفح له الشاعر دموعه حنيناً إلى الحبيب يعتصره الأسى، والحبيبة تلملم متاعها مع القوم، وقد أزف الرّحيل، وهو يدرك ماذا يعني ذلك، إنّها تتجهّز لتضرب مع قومها في مجاهل الصحراء طلباً للماء والكلأ، إنّها اللحظة التي ستخلّف الشّاعر وحيداً، وقد أقفر المكان من أنسها ليقطع عليه ذلك كلّ رجاء فيها، فهذا المجنون يرقب الظعائن، والقوم قد تحّملوا، يمزّقه الألم والحزن لتفيض دموع العين، يقول([62]):

ذُدِ الدّمع حتّى يظعن الحيّ إنّما

دموعك إن فاضت عليك دليل

كأنَّ دموع العين حين تحمّلوا

جمانٌ على جيب القميص يسيل([63])

إنّه يبكي والدموع تتحدّر لآلئ تسيل على نحره ساعة ظعن الحيّ، وعيون القوم تحول بينه وبينها. فماذا إذا كان أحدهما يبغي الرحيل، وقد تشابكت الأيدي؟ لابدّ أنّ كليهما سيذرفان الدموع لحظة الوداع، فهذا ابن زريق البغدادي يلفّق الأعذار، يبرّر رحيله، والحبيبة تتشبّث به تحاول أن تثنيه عن عزمه يقول([64]):

وكم تشبّث بي يوم الرحيل ضحيً

وأدمعي مستهلات وأدمعه

أستودع الله في بغداد لي قمراً

بالكرخ في فلك الأزرار مطلعه

وآخر يمضي مرتحلاً، وقلبه معلّق بديار الحبيبة، يلتفت، وعينه ترنو إلى الديار حتّى إذا ما غابت تحرّكت بنات الشوق، فتستجيب لها العين دموعاً ما تكفّ، يقول الصمّة القشيري([65]):

ولمّا رأيت البشر أعرض دوننا

وحالت بنات الشوق يحننّ نُزَّعا

بكت عيني اليسرى فلمّا زجرتها

عن الجهل بعد الحلم أسبلتا معا

لا سبيل إلى كفّ العين عن الدموع، فلا الزجر ينفع، فلتدمع كلتاهما لأنّ الفراق ليس يسيراً. كلّ هذا حين تذكّر حبيب أو ارتحال، فما شأن العين وقد غيّب الموت حبيباً؟! لا شك أنّه لا عذر لها، تقول الخنساء([66]):

ما بال عينيكِ منها دمعها سَرَبُ

أراعها حَزَنٌ أم عادها طرب

أم ذكر صخر بُعيد النوم هيّجها

فالدمع منها عليه الدهرَ ينسكب

كلّ هذا ودمعة الحزن تنهمر، لكنّ هذه الدمعة قد تكون دمعة فرح، فتفيض معبّرة عن الغبطة والسرور، فإذا كانت الدموع جماناً من همّ وحزن عند المجنون فهي درّ فرح عند شفيق جبري، وهي تعبّر عن الفرحة بجلاء المستعمر عن أرض سوريّة، يقول([67]):

كأنّ كلّ فؤاد في جلائهم

نشوانُ قد لعبت فيه العناقيد

ملء العيون دموع من هناءتها

فالدّمع درّ على الخدّين منضود

إنّها أكثر من ذلك، هي سوار ذهبيّ تتحلّى به دمشق المناضلة، وقد صنعت مجد تشرين، يقول نزار قبّاني([68]):

يا دمشق البسي دموعي سواراً

وتمنّي.. فكلّ صعب يهون

وضعي طرحة العروس لأجلي

إنّ مهر المناضلات ثمين

لكنّ الدموع أحياناً تكون سلاحاً تُشهره الحبيبة في وجه الحبيب ليكون أكثر تعلّقاً بها، أو لتزيد في معاناته ومكابدته، يقول امرؤ القيس([69]):

وما ذرفت عيناك إلا لتضربي

بسهميك في أعشار قلب مقتّل([70])

2 ـ وصف الدموع وفعلها:

إنّ الشعراء لم يقفوا عند أسباب البكاء وما تخلّفه من دموع، بل وصفوا تلك الدّموع، وقدّموا ذلك من خلال صور استطاعت أن تكشف ما في النفس من مواجع. إنّ أوّل ما وصفوه من الدموع كان غزارتها التي تعبّر عن شدّة المعاناة، فهذا المجنون يأتي بلاد الشام، ويسأل: أين أرض بني عامر؟ ثمّ ينصرف حتّى يأتيها، فيجهش للبكاء أمام جبل التَّوباذ، يقول([71]):

وأجهشتُ للتَّوباذ حين رأيته

وكبّر للرحمن حين رآني

إلى أن يقول:

وإنّي لأبكي اليوم من حذري غداً

فراقك والحيّان مجتمعان

سجالاً وتهتاناً ووبلاً وديمة

وسحّاً وتسكاباً وتنهملان

كلّ هذا وما تكفّ عينه عن ذرف الدموع، وتنهملانّ.

وقد وصفوا شكل الدموع إلى جانب غزارتها، فهي جمانٌ يسيل على جيب القميص، ودرّ على الخدّين كما مرّ معنا.

إنّهم ذهبوا أبعد من ذلك، فرصدوا ما يصدر عنها من صوت بسبب غزارتها، حيث نسمع لها خريراً كخرير الماء، قال المالقيّ في جارية تُدعى أزهر، وقد وقعت عينه عليها([72]):

شربنا على ماءٍ كأنّ خريره

خرير دموعي عند رؤية أزهرْ

خرير دموعك؟! لماذا هذا التكلّف يا مالقيّ؟ وأين فيض المشاعر، وأنت تقول: خرير دموعي، من الذي فاض به قول المجنون؟!.

لم يفتِ الشعراء في وصفهم الدموع ما كان أيضاً من تتاليها وتجدّدها في غزارة يَظنُّ معها الشاعر أنّه ينظر في ماء، أنشد أبو عبد الله نفطويه، قال([73]):

ومستنجد بالحزن دمعاً كأنّه

على الخدّ ممّا ليس يرقأ حائرْ

إذا ديمة منه استقلّت تهلّلت

أوائل أخرى ما لهنّ أواخر

مَلا مقلتيه الدّمعُ حتّى كأنّه

لِمَا انْهلَّ من عينيه في الماء ناظر

وينظر من بين الدّموع بمقلة

رمى الشوق في إنسانها فهو ساهر

الدّمع يتتالى، وكلّما أفرغت العين ديمة منه تجدّدت أوائل أخرى، وهكذا حتّى يغدو كمن ينظر من خلال الماء، كلّ ذلك بعين مشوق أقض الشّوق مضجعه، فبات ساهراً.

إنّ وفرة الدموع التي جعلت الشاعر ينظر من خلال الماء قد جعلت غيره ينظر من خلال الزجاج حيث المرئيات تضطرب، لذلك فهو مرّة يعشى حين تنهملان، ومرّة يبصر حين تحسران، قرأ صاحب الأمالي على أبي بكر بن دريد([74]):

نظرتُ كأنّي من وراء زجاجة

إلى الدار من ماء الصبابة أنظر

فعيناي طوراً تغرقان من البكا

فأعشى وحيناً تحسران فأبصر

ما أقسى خطبَكم أيّها الشعراء، كلُّ هذا ولا ينطفئ ما في النفس من لهيب؟! تجفّ العين منكم، فتسعون إلى من يعيركم عينه تبكون بها، قال غلام من بني حنيفة([75]):

نزف البكاءُ دموعَ عينك فاستعرْ

عيناً لغيرك دمعها مدرارُ

مَن ذا يعيرك عينَهُ تبكي بها

أرأيت عيناً للبكاء تعارُ؟!

أليس البكاء إذاً حاجة نفسيّة يخفّف ما يعتصر النفس؟ فكان أن لجأ إليه الشاعر يفرّج به عن نفسه. لكنّه قد يكون فاضحاً شأنه شأن النظرة، إلا أنه رغم ذلك يظلّ يعبّر عن المعاناة، وإن يك قد هتك ستر الكِتمان، يقول أبو نواس([76]):

لا جزى الله دمع عينيَ خيراً

وجزى الله كلَّ خيرٍ لساني

نَمَّ دمعي فليس يكتم شيئاً

ورأيت اللسان ذا كِتمان

كنتُ مثل الكتاب أخفاه طيٌّ

فاستدلّوا عليه بالعُنوان

صحيحٌ أنّه فضح أمر الشّاعر، فكشف ما انكتم حين انهمر، لكنّه ما يدري أنّه الفاضح، لقد ضاقت النفس بما فيها، فما كان لها من سبيلٍ إلا البكاء والدموع.

وأخيراً أستطيع أن أقول: لقد حبا الله العين منزلة سامية، وطواها على معانٍ كثيرةٍ، وستبقى فتنة النّاظرين، وبوح الحالمين، ودنيا العاشقين، وسيبقى الشّعراء يتقرَّون محاسنها، إنّها فيض معانٍ لا نهاية له في شكلها وصفائها وبريقها وسعتها، وفي لونها، في فرحها، وبسمتها، وفي بكائها ودموعها، في نظراتها وما تخلّفه في القلوب.

 

عادل مشلح

مجلة الموقف الأدبي

العدد 394 شباط 2004

([1]) - أنشودة المطر لبدر شاكر السياب.

([2]) - بدوي الجبل ـ الديوان.

([3]) - سورة يوسف ـ الآية (84).

([4]) - سورة طه ـ الآية (40).

([5]) - أساس البلاغة ـ الزمخشري.

([6]) - سورة طه ـ الآية (39).

([7]) - سورة العاديات ـ الآية (7).

([8]) - سورة البلد ـ الآية (8).

([9]) - سورة الأنبياء ـ الآية (13)

([10]) - المعلّقات السبع "ص"(54)

([11]) - الماويّة: المرآة، استكنّتا: هدأتا، الكهف: الغار، الحجَاج: العظيم المشرف، القلت: النقرة، المورد: الماء هنا.

([12]) - الطحر والطرح واحد: الإبعاد، المكحولتان: العينان أنزل العين، محلّ الكحل على الإطلاق، الفرقد: ولد البقرة الوحشيّة.

([13]) - جرير (حياته وشعره) ص264.

([14]) - الأمالي: ج1، ص231 ـ 232.

([15]) - الحَرَّة: أرضُ ذات حجارةٍ نَخِرَةٍ سودٍ.

([16]) - تطوّر الغزل د. شكري فيصل، ص514.

([17]) - فقه اللغة للثّعالبيّ.

([18]) - ديوان السّلطان النّبهانيّ، ص87.

([19]) - الدُّمْلُجُ: حليٌّ يلبس في المعصم.

([20]) - الدّلّ: التَّغنّج والتّلويّ، الغنج: التدلّل.

([21]) - الأدب في بلاد الشام، د. عمر موسى باشا، ص357.

([22]) - الدّيوان.

([23]) - أحمد الرّقاع: المستطرف.

([24]) - فقه اللغة: الثعالبيّ، ص95.

([25]) - جرير: حياته وشعره د. حمد النّعمان.

([26]) - لسان العرب مادّة شهل.

([27]) - ديوان عمر بن أبي ربيعة.

([28]) - الأدب العربي الحديث: الثالث الثانويّ.

([29]) - الأعمال الكاملة، نزار قباني.

([30]) - الزّجج: رقة الحاجب في طول ـ البلج: تباعد ما بين الحاجبين ـ القرن: اتصال الحاجبين ـ الزّبب: كثرة الشّعر وطوله.

([31]) - ديوان السّلطان النّبهاني، ص87.

([32]) - الشّزر: النّظر بجانب العين مع إعراض، الشّنف: النّظر كأنه معترض أو متعجّب.

([33]) - الرّمق: النّظر بمجامع العين ـ اللحظ ـ اللحظ: النّظر من جانب الأذن ـ اللمح: النّظر بعجلة ـ الرمي بالنّظر مع حدّة ـ الرَّشق: النّظر بحدَّة وشّدة.

([34]) - المستطرف في كلّ فنٍّ مستظرفٍ.

([35]) - المصدر نفسه.

([36]) - تطوّر الغزل د. شكري فيصل.

([37]) - المصدر نفسه، ص154.

([38]) - نصوص مختارة د. إحسان النصّ.

([39]) - تطوّر الغزل د. شكري فيصل.

([40]) - المصدر نفسه، ص153.

([41]) - ديوان عمر بن أبي ربيعة، ص103.

([42]) - الأدب في بلاد الشام د. عمر موسى باشا، ص379.

([43]) - ديوان بدويّ الجبل.

([44]) - تطوّر الغزل د. شكري فيصل، ص443.

([45]) - شاعر من محافظة طرطوس.

([46]) - الأدب في بلاد الشام د. عمر موسى باشا، ص389.

([47]) - سورة الأنبياء ـ الآية (20).

([48]) - سورة الزخرف ـ الآية (75).

([49]) - أساس البلاغة للزمخشري مادّة فتر.

([50]) - الأمالي: ج1، ص231.

([51]) - الأمالي: ج1، ص231.

([52]) - الأمالي: ج1، ص232.

([53]) - الأمالي: ج1، ص232.

([54]) - الأدب في بلاد الشام ـ د. عمر موسى باشا

([55]) - النقا: نوع من النبات.

([56]) - نصور مختارة ـ د. إحسان النصّ.

([57]) - همعت: سالت جمعتها.

([58]) - تطوّر الغزل د. شكري فيصل، ص38.

([59]) - سقط اللوى: السقط: منقطع الرمل، اللوى: الرمل المعوج الملتوي. الدخول وحومل: اسما موضع.

([60]) - تطوّر الغزل د. شكري فيصل، ص40.

([61]) - معوّل: معتمد ومتَكل.

([62]) - الأمالي: ج1، ص211.

([63]) - الجمان: م الجمانة: اللؤلؤ (فارسية).

([64]) - الثالث الإعدادي: سورية.

([65]) - كتاب الأدب الثاني الثانوي سورية.

([66]) ـ سلسلة شعراء العرب ـ 2 ـ ص17.

([67]) - كتاب الأدب الثاني الثانوي سورية.

([68]) - كتاب الأدب الثاني الثانوي سورية.

([69]) - معلّقة امرؤ القيس.

([70]) - مقتّل: مذلل.

([71]) - الأمالي: ج1، ص221.

([72]) - تاريخ الأدب الأندلسي: عصر الطوائف، ص201.

([73]) - الأمالي: ج1، ص211 ـ 212 ـ 212 ـ 213.

([74]) - الأمالي: ج1، ص211 ـ 212 ـ 212 ـ 213.

([75]) - الأمالي: ج1، ص211 ـ 212 ـ 212 ـ 213.

([76]) - الأمالي: ج1، ص211 ـ 212 ـ 212 ـ 213.

 

تقديم: عادل مشلح