جدد معرفتك وتمسكك بآداب الإسلام في الصيام

شاختت را با چنگ زدن به اداب اسلامي در روزه تجديد كن

*إيمان مغازي الشرقاوي
حين يفكر المرء منا في حاله ويتفكّر، وينظر في نفسه بصدق ويتدبّر، ويجول بخاطره في هذا الكون الشاسع من حوله وما يحويه من أشياء ومخلوقات كلّها مسخرة لخدمته ومسيّرة لراحته، لا يجد بديلاً عن خضوعه للمُنعِم وانقياده للمالك، وذله للمعطي، وشكره للمُهدي، شكراً يتعانق فيه النطق باللسان مع التسليم بالجنان، فهو سبحانه أهل أن يُذكر ويُشكر وهو القائل سبحانه: (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ) (البقرة/ 152).
وتتجلّى العطاءات الإلهية والهبات الربانية في كل وقت من الملك القوي الغني، لعبيده الضعفاء الفقراء، إذ يشملهم برحمته، ويغطيهم بستره، ويكرمهم برعايته، لكنّه عزّ وجلّ قد جعل لنا من فيض هذه النعم والعطايا ما لا نحسن عدّه ولا نحصي عدده، في مواسم كلّها بركات، وليالٍ تفيض بالخيرات، لتنال النفوس حظها من البركة، ونصيبها من الخير، وزادها من التقوى في أيّام من العام معدودات يضاعف فيها الأجر والثواب، وهي في أشد الحاجة إلى جوده وكرمه ونظره وعفوه، ومن هذه المواسم المباركة شهر رمضان.
- معنى الاسم:
وقد قيل: إنّما سُمّي هذا الشهر الكريم برمضان؛ لأنّه يرمض الذنوب، أي يحرقها بالأعمال الصالحة، من الإرماض وهو الإحراق، ومنه رمضت قدمه من الرمضاء أي احترقت، وأرمضتني الرمضاء أي أحرقتني، ومنه قيل: أرمضني الأمر، وقيل: إنّما سمي بهذا؛ لأنّ القلوب تأخذ فيه من حرارة الموعظة والفكرة في أمر الآخرة كما يأخذ الرمل والحجارة من حرّ الشمس.
وقد اختص هذا الشهر العظيم بما لم يوجد في غيره من شهور العام من عطايا وهبات مباركات، إذ اجتماع في أيّامه ولياليه ما يرمز لأركان الإسلام الخمسة جميعها بلا استثناء، ففيه كلمة التوحيد تتردد ليل نهار قولاً وعملاً، سراً وجهراً، على صفحات الألسنة وفي ثنايا القلوب، وعلى المنابر والمآذن، وفي دور العلم وحِلَق الذكر ومجالس الطاعات، وفيه فريضة الصلاة العظيمة والمحافظة عليها في رمضان هي أعظم وأشد ما يكون من أي وقت آخر بالإضافة إلى صلاة التراويح والتهجد ونوافل الصلوات التي تصل العبد بربّه متى شاء، وفيه الزكاة – زكاة الفطر – وزكاة الوقت والفكر، وصدقة المال المطهرة للنفوس المزكية لها، وفيه صيام الفريضة، وهو صيام الشهر كلّه لمن وجب عليه، وكذا الصيام عن فحش القول وسيِّئ الأخلاق والأعمال، وفيه التوجه للقبلة كل يوم في الصلوات وكذا في قصد بيت الله الحرام في العمرة التي تعدل حجة، لكن أشهر ما تميّز به واختلف فيه عن غيره من شهور السنة هو انفراده بفريضة الصيام الذي لا يجزي عليه إلا الله وحده سبحانه وتعالى.
- عطية كبيرة..
وهذه الفريضة المباركة هي الهدية الثمينة والعطية الكبيرة التي انفرد بها رمضان دون غيره من إخوانه من الشهور، وقد انفردت هي الأخرى في مقدار ثواب فاعلها عن غيرها من الفرائض المفروضة علينا، فالثواب المترتب على القيام بها وأدائها لا يعلم مقداره إلا الله عزّ وجلّ كما جاء عن النبي (ص): "قال الله تعالى: كل عمل ابن آدم له، إلا الصيام فإنّه لي وأنا أجزي به...".
وفي قوله: "يقول الله: الصيام لي، وأنا أجزي به".
فقوله تعالى: "الصيام لي"، أي أنّه أحب العبادات إليَّ والمقدم عندي ولا يطلع عليه غيري، "وأنا أجزي به" فلا أكِله إلى ملك مقرّب ولا غيره، لأنّه سرّ بيني وبين عبدي، وفي هذا تعظيم لفريضة الصيام وتعظيم لثواب الصوم، وأنّه لا حدٍ له؛ وذلك لأن اختصاصه من بين سائل الأعمال بأنّه مخصوص بعظيم لا نهاية لعظمته ولا حدٍ لها، وأنّ ذلك العظيم هو المتولي لجزائه مما ينساق الذهن منه إلى أن جزاءه مما لا حدٍ له.
- "فإنّه ليّ وأنا أجزي به"..
واختلف العلماء في معنى قوله تعالى: "كل عمل ابن آدم له إلّا الصيام فإنّه ليّ وأنا أجزي به" مع كون جميع الطاعات لله تعالى، فقيل: سبب إضافته إلى الله تعالى أنّه لم يعبد أحد غير الله تعالى به، فلم يعظّم الكفار في عصر من الأعصار معبوداً لهم بالصيام، وإن كانوا يعظمونه بصورة الصلاة والسجود والصدقة والذكر وغير ذلك.
وقيل: لأنّ الصوم بعيد من الرياء لخفائه، بخلاف الصلاة والحج والغزوة والصدقة وغيرها من العبادات الظاهرة، ويؤيده حيث "ليس في الصوم رياء"؛ وذلك لأنّ الأعمال إنّما تكون بالحركات إلا الصوم، فإنّما هو بالنية التي تخفى عن الناس، وليس للصائم ونفسه فيه حظ.
وقيل: إنّ الاستغناء عن الطعام من صفات الله تعالى، فتقرب الصائم بما يتعلّق بهذه الصفة وإن كانت صفات الله تعالى لا يشبهها شيء، كأنّه يقول: إنّ الصائم يتقرب إليَّ بأمر هو متعلّق بصفة من صفاتي.
وقيل: معناه: أنا المنفرد بعلم مقدار ثوابه أو تضعيف حسناته وغيره من العبادات أظهر سبحانه بعض مخلوقاته على مقدار ثوابها.
وقيل: إنّ الصوم لا يظهر فتكتبه الحفظة، كما لا تكتب سائر أعمال القلوب.
وقيل: هي إضافة تشريف وتعظيم، كقوله تعالى: "ناقة الله" مع أنّ العالم كلّه لله تعالى، وكما يقال: "بيت الله" وإن كانت البيوت كلّها لله.
- الصبر..
ورمضان هو شهر الصبر، كما قال النبي (ص): "صم شهر الصبر رمضان".. وأصل الصبر الحبس فسُمِّي الصوم صبراً لما فيه من حبس النفس عن الطعام والشراب والجماع.. قال الطبري: الصبر منع النفس محابها وكفها عن هواها، ولذلك قيل لمن لم يجزع: صابر لكفه نفسه، وقيل: لرمضان شهر الصبر لكف الصائم نفسه عن المطعم والمشرب.
والصبر ثوابه الجنّة كما قال تعالى: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ) (الزّمر/ 10).