الحوار... ثقافة
لمشاهدة الصورة 
بحجم اكبر إضغط علي الصورة (الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الإنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ) (الرحمن/ 1-4).
(ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (النحل/ 125).
الحوار في ثقافة القرآن ظاهرة حضارية، ورحلة بحث عن الحقيقة، أو بيانها والتعريف بها، أو إزالة الشبهة، وتصحيح الخطأ، وليست للمغالبة والانتصار الجدلي على الآخر.. وأوّل فصل نقرؤه في الحوار.. هو الحوار الإلهي مع الملائكة قبل بدء الخليقة..
(وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ) (البقرة/ 30).
من الظواهر المصاحبة للمجتمع الإنساني هي ظاهرة التعددية والخلاف، ومشكلة الانحياز والتعصب وكيفية التعامل مع الآخر..
إنّ القرآن تبنى منهج الحوار، وثقف اتباعه والمؤمنين به على هذا النهج الحضاري المتقدم كأفضل أسلوب سلمي لحل الخلاف والتوصل إلى الحقيقة.. استعمل القرآن كلمة حوار في موردين هما:
(وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالا وَأَعَزُّ نَفَرًا) (الكهف/ 34).
(قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) (المجادلة/ 1).
واستعمل القرآن كلمة: (قول.. وجدل.. ودعوة) وغيرها من الكلمات الدالة على الحوار في العشرات من الآيات.
إنّ البشرية تعاني من أزمة تعامل خطيرة، هي فهم الآخر والتفاهم معه.. وكثيراً ما تتحوّل أزمة الفهم وغياب التفاهم إلى عداء واحقاد وانتقام وتهم، وسعي للاسقاط والاجهاز على وجود الآخر الفكري والإجتماعي والسياسي للتخلّص منه، وقَلَّ من يسعى للفهم والتفاهم على أساس الحوار، والتعرّف على الآخر وتعريف الذات له..
نجد هذه الصراعات بين المذاهب والأديان والقوميات والدول بين القوى والكيانات السياسية والإجتماعية، وبين أصحاب الأفكار والنظريات الإجتماعية والسلوكية..
إنّ التعامل بين المختلفين بصورة أساسية هو التعامل السلبي والعدواني.. وكم عانت ومازالت تعاني البشرية من الحروب والصراعات والضغوط السياسية والإقتصادية والإجتماعية والعقيدية، ومن الرعب والإرهاب والتعامل الاستعلائي بسبب الخلافات الفكرية أو تعدّد المصالح.
والفكر والتشريع الإسلامي يعالج هذه المشكلة الكبرى بطرق عديدة:
أوّلها: التربية والتثقيف على فهم الخطأ وتمييزه من الصواب عن طريق البحث والفهم العلمي، والابتعاد عن التعصب والتبعية العمياء.. لذلك هاجم أولئك الذين قالوا:
(إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ) (الزخرف/ 23).
فهو يثقف الإنسان على فهم الحقيقة واتباعها بصورة علمية موضوعية، لا انحياز فيها ولا تعصب فرائده الحق والحقيقة.. وانطلاقاً من الأسس والأصول والمسلمات العقلية والمنطقية أو العلمية أو العقيدية.
وثانياً: الاحتكام إلى القانون الذي ينظم العلاقات، ويوضح لكل ذي حق حقه كلّما حصل الخلاف في قضية ينظمها القانون.
وثالثها: القضاء والتحكيم الذي يحكم بين اطراف الخلاف ويفصل في القضايا المتنازع عليها.
إنّ الإسلام يلجأ إلى الحوار والتفاهم بين اطراف الخلاف، فالمسلمون مثلاً، يوجد بينهم خلافات فكرية ومذهبية وبين أصحاب الديانات الأخرى، المسيحية واليهودية وغيرها..
وكم عانت البشرية ومازالت تعاني من هذه الخلافات والصراعات والحروب الدموية والسياسية والإقتصادية والإعلامية والثقافية وغيرها.
إنّ الحروب والصراعات والتعبئة المضادة لم تحل المشاكل، بل زادتها تعقيداً؛ لذا نجد القرآن يدعو إلى الحوار مع أصحاب الديانات والتفاهم معهم، منطلقاً من الأسس المشتركة في الدِّين والكتاب الإلهي الأصيل.. قال تعالى موجهاً نبيه الكريم محمّداً (ص) إلى انتهاج سبيل الحوار: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلا نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ) (آل عمران/ 64).
إنّ هذه المنطلقات الثلاثة هي الأسس في التفاهم والحوار في هذه الآية: ان خالق الخلق واحد لا شريك له..
ولا نعبد أحدا سواه..
ولا يتخذ بعضاً بعضا أرباباً من دون الله..
أي يجعلونهم طواغيت يستعبدون البشر، ويسيطرون عليهم، بل يطيعونهم في فعل الشر والجريمة والفساد والعدوان.. انّه يدعو إلى الحوار والتفاهم بين الأديان الإلهية على أسس ومنطلقات مشتركة ومسلم بها من قبل أصحاب الديانات الإلهية في أصولها الصحيحة الربّانية، وبذا يثبت الأصول المشتركة للتعايش والتعامل بين اتباع الديانات الإلهية.
ويؤكد في مورد آخر على منهج الحوار والجدل الإيجابي البنّاء بقوله: (وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (العنكبوت/ 46).
ويعمم أسلوب الحوار للتعامل مع الآخر بقوله: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (النحل/ 125).
فالقرآن يريد التفاهم مع الآخر والتحاور معه، ليس بالحسنى فحسب بل وبالتي هي أحسن.
ويثبت القرآن منهج الحوار بين المسلمين فيما يختلفون فيه، ويثبت لهم المنهج في الحوار أيضاً فيدعوهم إلى الانطلاق من المسلمات المتفق عليها بينهم، بعد أن ينهاهم عن الخلاف والنزاع.
ويدعوهم إلى الوحدة والتمسك بحبل الله وهو القرآن.
(وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا) (آل عمران/ 103).
(أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ) (الشورى/ 13).
يثبت القرآن الأسس والمسلمات التي ينطلق منها العقل المسلم لحل الإشكاليات وموضوعات النزاع وهو الاحتكام إلى القرآن الكريم والسنة المطهرة وأولي الأمر، الملتزمين بالكتاب والسنّة.
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا) (النساء/ 59).
(وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلا قَلِيلا) (النساء/ 83).
والقرآن يدعو للحوار والتفاهم مع الآخر مهما يكن طاغياً ومتعصّباً فلعل الحوار يجد الثغرة الإنسانية في نفسه لينفذ منها، فيستجيب للحق وتحل المشكلة.. نقرأ هذا التوجيه في الخطاب الإلهي الكريم لموسى وهارون.. قال تعالى: (اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى) (طه/ 43-44).
ومثله حوار إبراهيم ومحمّد والنبيين جميعا مع طواغيت أقوامهم وعتاتهم بالحكمة والموعظة الحسنة، بالدليل والبرهان، بل ويرسم القرآن منهجاً للحوار ينطلق للبحث عن الحقيقة بلغة الحياد والتأمّل وانتظار البحث والحوار، قال تعالى: (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ * قُلْ لا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ * قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ) (سبأ/ 24-26).
إنّ منهج القرآن في الحوار يرتكز على ركائز أساسية هي:
1- الحوار هو الأصل والأساس في إيصال الفكرة والبيان، وحل المشاكل والخصومات.. (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا) (الإسراء/ 15)، وبعثة الرسل (ع) هو للبيان وإيصال الرسالة، واطلاع الإنسان على الحقيقة.
2- إنّ الحوار يجب أن يكون بأفضل الأساليب الحكيمة وبخطاب يفتح الآفاق النفسية والفكرية بعيداً عن التوتر واللغة الجافة والعبارات المثيرة والجارحة (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا) (البقرة/ 83)، (وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (النحل/ 125).
3- إنّ الحوار في منهج القرآن ينطلق من المشتركات الأساسية، ومن نقاط الوفاق، لا من نقاط الخلاف والنزاع.. (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ) (آل عمران/ 64).
4- إنّ الحوار يبدأ محايداً، ينتظر النتائج التي يُحكم بها ويقيّم.. (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) (سبأ/ 24).
5- لا يُستبعد أحد من الحوار مهما يكن متعصّباً ومتحاملاً على الآخر (اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى) (طه/ 43-44).
6- البحث عن نقاط التأثير في الطرف الآخر ومواطن الاستجابة، والعمل على مخاطبتها في نفسه.
(رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ) (الحجر/ 2).
وإذا فليكن الحوار ثقافة ومنهجاً لنا كما أراد القرآن وهدى.
www.balagh.com